ثقافة الثواني

في كلّ ثانية، أكثر من 10,000 تغريدة تُنشر على «تويتر»، 2000 صورة في الوقت ذاته تُرفع على «إنستجرام»، وأكثر من 100,000 فيديو يُشاهد على «يوتيوب».
سهّل -وبشكلٍ ملحوظ- الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي إيصال المعلومات للجميع، حتى أصبحت أكثر تداولاً من أيّ زمن سابق وبين مختلف شرائح المجتمع، كما ساهمت هذه المواقع في إتاحة الفرصة للعديد من الشخصيات لنشر ثقافتهم بأساليبهم وطرقهم الخاصّة.
ولكن من جانبٍ آخر، تحوّلت القراءة من صفحات الكتب الطويلة إلى جملٍ مُختزلة في 140 حرفاً، والأفلام الطويلة إلى مشاهد ذات 15 ثانية، حتى صار المستخدم يدرك الوقت في الثواني بدل الدقائق والساعات، ويبحث عن المحتوى الأقصر بدلاً من الأطول، ممّا صعّب على الكثيرين إيصال أفكارهم بشكلٍ شامل إلى الجمهور، الذي بدوره قَلّ تقبّله للمحتوى الطويل، فأصبح يبحث عن المعلومة السريعة ذات المحتوى البصري المُوجز، مُتجنباً بذلك ما قد يستهلك أكثر من عدّة ثوانٍ من وقته.
هذا التغيير أضاف لمُنتجي المحتوى بجميع أنواعه تحديًا جديدًا، وذلك عن طريق إنتاج محتوى قصير عالي الجودة يضمن استمرارية متابعة المتلقّي له، وعدم انتقاله للتالي دون تحقيق الهدف المُراد، خصوصاً في ظلّ زيادة المنافسة وسهولة النشر والإنتاج لدى المستخدم العادي.
كما أجبر هذا التغيير المؤسسات على توجيه قدراتها التسويقيّة إلى منصات الإعلام الإجتماعي وتوفير المحتوى الخاص بها اعتماداً على أسسٍ جديدة، بالإضافة إلى دراسة منتجات الشركة والشريحة المستهدفة للوصول إلى أكبر عدد من المتلقين وإيصال صورة الشركة بالطريقة الأمثل. ذلك بالطبع يأتي مع الإبقاء على صفة التجدّد ومواكبة “التريندز” و المشاركة فيها، ما يُتيح للمؤسسة الظهور المتميّز ويعزّز فرصتها لتسويق منتجاتها وخدماتها وبيعها بالمقابل.
لكثيرٍ من المؤسسات تأثيرٌ كبير بشكلٍ إيجابي -وسلبي في بعض الحالات- عبر شبكات التواصل الإجتماعي، ذلك على مستوى ظهور المؤسسة ومبيعاتها وغير ذلك… فعلى سبيل المثال، استطاعت شركة (Hallmark) تحويل التقييم السلبي حول إحدى منتجاتها التي شابها “عيب مصنعي” إلى حملة تسويق أدّت إلى إرضاء المستخدمين الذين واجهوا تلك المشكلة، بالإضافة إلى جذب أنظار العديد إلى منتجات الشركة وتعريفهم بها عبر شبكات التواصل الإجتماعي، ما أسهم في تعزيز صورتها وتحسين سمعتها كمحصّلة نهائية.
وكان للإهتمام بشبكات التواصل الإجتماعي تأثير قوي على تطوّر بعض الشركات أمام منافسيها بشكلٍ أسرع بكثير من استعمال الوسائل التقليدية، حتى أنّ الشركات الكبرى التي كانت هي المسيطرة، أُجبرت أيضاً على الإهتمام بهذه الوسائل للحفاظ على جمهورها من المستخدمين، إضافةً إلى جذب جيل الشباب والذي تمثّل هذه الشبكات المصدر الوحيد للمعلومات بالنسبة لهم.
وكما هي المنافسة في السوق على المنتجات والخدمات، فإنّ المنافسة عبر شبكات التواصل الإجتماعي أقوى ممّا كانت عليه مسبقاً، ما يُلزم جميع المؤسسات على استغلال هذه الشبكات للحصول على موضع قدم في ما يُعتبر أكبر سوق للإعلان والتسويق في هذا العصر.

اترك رد